محمد بن جرير الطبري

377

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يعني بقوله جل ثناؤه : وَقُولُوا انْظُرْنا وقولوا يا أيها المؤمنون لنبيكم صلى الله عليه وسلم : انظرنا وارقبنا نفهم ونتبين ما تقول لنا وتعلمنا . كما : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَقُولُوا انْظُرْنا فهمنا بين لنا يا محمد . حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : وَقُولُوا انْظُرْنا فهمنا بين لنا يا محمد . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد ، مثله . يقال منه انظرنا : نظرت الرجل أنظره نظرة بمعنى انتظرته ورقبته . ومنه قول الحطيئة : وقد نظرتكم أعشاء صادرة * للخمس طال بها حوزي وتنساسي ومنه قول الله عز وجل : يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ يعني به انتظرونا . وقد قرئ انْظُرْنا بقطع الأَلف في الموضعين جميعا ، فمن قرأ ذلك كذلك أراد أخرنا ، كما قال الله جل ثناؤه : قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ أي أخرني . ولا وجه لقراءة ذلك كذلك في هذا الموضع ؛ لأَن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أمروا بالدنو من رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستماع منه وإلطاف الخطاب له وخفض الجناح ، لا بالتأخر عنه ولا بمسألته تأخيرهم عنه . فالصواب إن كان ذلك كذلك من القراءة قراءة من وصل الأَلف من قوله : انْظُرْنا ولم يقطعها بمعنى انتظرنا . وقد قيل : إن معنى انْظُرْنا بقطع الأَلف بمعنى " أمهلنا " ، حكي عن بعض العرب سماعا : أنظرني أكلمك ؛ وذكر سامع ذلك من بعضهم أنه استثبته في معناه ، فأخبره أنه أراد أمهلني . فإن يكن ذلك صحيحا عنهم ف " انظر " و " أنظرنا " بقطع الأَلف ووصلها متقاربا المعني . غير أن الأَمر وإن كان كذلك ، فإن القراءة التي لا استجيز غيرها قراءة من قرأ : وَقُولُوا انْظُرْنا بوصل الأَلف بمعنى انتظرنا ، لإِجماع الحجة على تصويبها ورفضهم غيرها من القراءات . القول في تأويل قوله تعالى : وَاسْمَعُوا . يعني بقوله جل ثناؤه : وَاسْمَعُوا واسمعوا ما يقال لكم ويتلى عليكم من كتاب ربكم وعوه وافهموه . كما : حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَاسْمَعُوا اسمعوا ما يقال لكم . فمعنى الآية إذا : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لنبيكم راعنا سمعك وفرغه لنا نفهمك وتفهم عنا ما نقول ، ولكن قولوا انتظرنا وترقبنا حتى نفهم عنك ما تعلمنا وتبينه لنا ، واسمعوا منه ما يقول لكم فعوه واحفظوه وافهموه . ثم أخبرهم جل ثناؤه أن لمن جحد منهم ومن غيرهم آياته وخالف أمره ونهيه وكذب رسوله العذاب الموجع في الآخرة ، فقال : وللكافرين بي وبرسولي عذاب أليم ، يعني بقوله الأَليم : الموجع . وقد ذكرنا الدلالة على ذلك فيما مضى قبل وما فيه من الآثار . القول في تأويل قوله تعالى : ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ يعني بقوله : ما يَوَدُّ ما يحب ، أي ليس يحب كثير من أهل الكتاب ، يقال منه يود : ود فلان كذا يود ودا وودا ومودة . وأما " المشركين " فإنهم في موضع خفض بالعطف على أهل الكتاب . ومعنى الكلام : ما يحب الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم . وأما أَنْ في قوله : أَنْ يُنَزَّلَ فنصب بقوله : يَوَدُّ . وقد دللنا على وجه دخول " من " في قوله : مِنْ خَيْرٍ وما أشبه ذلك من الكلام الذي يكون في أوله جحد فيما مضى ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع . فتأويل الكلام :